يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
319
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
وكان المبرد والزجاج يذهبان إلى أن المنصوب في الاستثناء ينتصب بتقدير : " استثنى " ، ويجعلان " إلا " نائبة عن " استثنى " . وهذا غير صحيح لأنك تقول : أتاني القوم غير زيد فتنصب غيرا . ولا يجوز أن تقدر استثني غير زيد ، وليس قبل " غير " حرف تقيمه مقام الناصب له ، وإنما قبله فعل وفاعل ، ولا بد له - إن كان منصوبا - من ناصب ، فالفعل هو الناصب ، وناصب " غير " هو الناصب لما بعد " إلا " . قوله : ومثله في الانقطاع عن أوله : إن لفلان مالا إلا أنه شقي . يعني " بالانقطاع من أوله " ، أنه ليس ببدل منه ، لأنه ذكر : " ما مررت بأحد إلا زيدا " وما بعده مما نصبه بالاستثناء ، ولم يحمله على ما قبل " إلا " من طريق البدل ، وكذلك لم يحمل " أنه شقي " على البدل مما قبله ، ولا سبيل إلى البدل فيه لأن ما قبل " إلا " موجب . وقدر سيبويه هذا " بلكن " وحكمها ، أن يكون ما بعدها ضدّا لما قبلها . فإن قال قائل : فكيف يكون هذا الحكم في المسألة ؟ قيل له : إذ قال : " إن لفلان مالا " ، فقد أخبر أنه سعيد لملكه المال ، ثم استدرك ذلك بقوله : إلا أنه شقي ، كأنه قال : إلا أنه بخيل على نفسه ، شقي بترك الانتفاع بماله والتلذذ بإنفاقه . هذا باب يختار فيه النصب لأن الآخر ليس من نوع الأول وهو لغة أهل الحجاز اعلم أن قولهم : ما فيها أحد إلا حمارا ونحوه مما يشتمل عليه الباب ، فأهل الحجاز ينصبونه لأنه ليس من نوع الأول ولم يبدلوه منه إذا كان من غير نوعه . وأما بنو تميم ، فرفعوه على تأويلين ذكرهما سيبويه : أحدهما : أنك أردت ما فيها إلا حمار ، وقولك : ما فيها حمار ، قد نفيت به الناس وغيرهم في المعنى ، ودخل في النفي من يعقل ومن لا يعقل ، ثم ذكرت " أحدا " توكيدا ، لأن يعلم أنه ليس بها آدمي . والوجه الآخر : أن تجعل المستثنى من جنس ما قبله على المجاز كأن الحمار هو من أحد أناسي ذلك الموضع ، ومن عقلاء ذلك الموضع . وعلى هذا المجاز أنشد سيبويه الأبيات . وقال المازني فيه وجه ثالث : وهو أنه خلط من يعقل بما لا يعقل ، فعبر عن جماعة ذلك بأحد ثم أبدل " حمارا " من لفظ مشتمل عليه وعلى غيره ، وعلى هذا قول اللّه عز وجل : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ النور : 45 ] لما خلط من يعقل بما لا يعقل في قوله : ( كل دابة ) ، خبر عنها كلها بلفظ من يعقل . وأنشد سيبويه - محتجّا لمذهب بني تميم في البدل على المجاز - لأبي ذؤيب